ابن ميثم البحراني
284
شرح نهج البلاغة
السيّد فضل اللَّه الراوندي - رحمه اللَّه - : يعود إلى الجملة من البغي والظلم والكبر وإن لم يجر لها ذكر . وقال غيره : الضمير للكبر وإنّما أنّثه باعتبار جعله مصيدة باعتبار أنّه يصير الداخل فيه من حزب إبليس وفي قبضته كالشبكة وحبائل الصايد . ووصفها بالعظم باعتبار قوّته وكثرة ما يستلزمه من الرذائل ، وكذلك استعار له لفظ المكيدة الكبرى باعتبار ما هو سبب قويّ في جذب الخلق إلى الباطل وضلالهم عن طريق اللَّه كالحيلة والخدعة ، واستعار وصف المساورة له باعتبار مواثبته النفوس ومغالبته لها بالكبر وذلك أنّه تارة يلقى إليها تحسين الكبر وتزيينه فتنفعل عنه وتقبل الكبر وتلك هي الوثبة من جانبه . وتارة تقوى النفس عليه فتردّ وسوسته بقهره وتلك الوثبة من قبلها . ثمّ شبّه مساورته للقلوب بالكبر بمساورة السموم القاتلة للطبيعة البدنيّة ، وكنّى عن وجه الشبه بقوله : فما تكدي أبدا ولا تشوى أحدا : أي إنّ مساورته بالكبر لا تكاد يقابلها ما يقاومها من العقول ويمنع تأثيرها في النفوس كما لا يكاد يقاوم مواثبة السموم القاتلة من طبايع الحيوان ولا تكاد تخطئ المقاتل كما لا يخطئ السموم وحركاتها في الأبدان مقاتلها . ويحتمل أن يكون وجه الشبه كون مساورته غالبة قويّة كمشاورة السموم للأبدان ، ويكون قوله : لا تكدي أبدا ولا تشوى أحدا استعارتين لوصفي السمّ الَّذي لا يكاد يقف دون المقاتل ولا يخطئها لتلك المساورة باعتبار أنّها لا يخطئ رميتها القلوب بسهام الكبر والبغي وساير ما يلقى من الوساوس المهلكة . وقوله : لا عالما لعلمه ولا مقلَّا في طمره . أي أنّ هذه الرذيلة تؤثّر في نفس العالم في علمه والفقير في فقره فلا يردّها العالم بعلمه أنّها رذيلة ولا المقلّ المفتقر في طمره لمنافاة حاله في قلَّته وفقره الكبر . وقوله : وعن ذلك ما حرس اللَّه . إلى قوله : تذلَّلا . تنبيه على الأمور الَّتي حرس اللَّه تعالى بها عبادة من هذه الرذيلة وجعلها أسبابا للتحرّز من نزغات الشيطان بها ، وأشار إلى ثلاثة منها وهى الصلوات والزكوات ومجاهدة الصيام في الأيّام المفروض صومها . أمّا الصلوات فلكونها بأجزائها